ناقشت الكاتبة ماريانا بوجوسيان فكرة شائعة تهيمن على تصورات البشر عن الحياة الجيدة، وهي الاعتقاد بأن السعادة الدائمة والابتعاد الكامل عن المشاعر السلبية يمثلان الطريق الأمثل للرفاهية النفسية. غير أن أبحاثًا حديثة في علم النفس تكشف صورة أكثر تعقيدًا، إذ تشير إلى أن جودة الحياة لا ترتبط بزيادة المشاعر الإيجابية إلى أقصى حد، بل بامتلاك حياة عاطفية متوازنة ومتنوعة تتسع لمختلف الانفعالات الإنسانية.


ونشر موقع سايكولوجي توداي هذا التحليل استنادًا إلى دراسة حديثة ظهرت في مجلة Journal of Happiness Studies عام 2026، حيث بحثت العلاقة بين المشاعر الإيجابية والسلبية ومستوى الرضا عن الحياة، وخلصت إلى نتائج تتحدى كثيرًا من الافتراضات التقليدية حول السعادة والرفاه النفسي.


تنوع المشاعر مفتاح الحياة الجيدة


يفترض كثيرون أن الحياة المثالية يجب أن تمتلئ بلحظات الفرح والرضا، بينما تختفي منها مشاعر الحزن أو القلق أو الإحباط. إلا أن الدراسة أوضحت أن البشر لا يسعون في الواقع إلى حياة تخلو تمامًا من المشاعر السلبية، بل يفضلون مزيجًا متوازنًا من الانفعالات المختلفة.


وكشفت النتائج أن المشاركين لم يرغبوا في تعظيم المشاعر الإيجابية إلى أقصى درجة أو القضاء على المشاعر السلبية بالكامل، بل فضّلوا أيامًا تضم مشاعر إيجابية وأخرى سلبية إلى جانب لحظات حيادية. ويعكس هذا التفضيل إدراكًا ضمنيًا لأهمية التجارب العاطفية المتنوعة في تشكيل حياة أكثر واقعية وثراءً.


وأظهرت الدراسة كذلك أن السعي المستمر وراء السعادة المطلقة قد يؤدي إلى نتائج عكسية، لأن الإنسان عندما يضع لنفسه معايير عاطفية مثالية يصعب بلوغها، يشعر بخيبة أمل متكررة كلما ابتعد الواقع عن تلك التوقعات المرتفعة.


الرضا عن الحياة يبدأ من التوافق العاطفي


لم تربط الدراسة الرضا عن الحياة بكمية المشاعر الإيجابية فقط، بل ربطته بدرجة التوافق بين ما يرغب الإنسان في الشعور به وما يختبره فعليًا في حياته اليومية.


فكلما اقتربت التجارب العاطفية الواقعية من التصورات المثالية للفرد، ارتفع مستوى رضاه عن حياته. ولم يقتصر الأمر على المشاعر الإيجابية، إذ شمل أيضًا المشاعر السلبية المقبولة ضمن الحدود التي يتوقعها الشخص لنفسه.


ولاحظ الباحثون أن العلاقة بين المشاعر الإيجابية والرضا عن الحياة لا تستمر في التصاعد بلا حدود. فعندما تتجاوز المشاعر الإيجابية المستوى الذي يراه الفرد مناسبًا أو طبيعيًا، تضعف الفوائد النفسية الناتجة عنها. وفي المقابل، يؤدي انخفاض المشاعر الإيجابية عن المستوى المرغوب أو ارتفاع المشاعر السلبية فوق الحدود المقبولة إلى تراجع الشعور بالرضا.


وتشير هذه النتائج إلى أن الرفاهية النفسية لا تعتمد على مراكمة السعادة فقط، بل تعتمد على انسجام الواقع العاطفي مع التوقعات الشخصية، بما يخلق حالة من التوازن النفسي والاستقرار الداخلي.


لماذا تحتاج النفس إلى المشاعر السلبية؟


تطرح الدراسة تفسيرًا مهمًا يتمثل في أن جميع المشاعر تؤدي وظائف ضرورية في حياة الإنسان. فالحزن يساعد على التأمل وإعادة التقييم، والخوف يعزز الحذر، والغضب يدفع إلى الدفاع عن الحقوق أو مواجهة الظلم. لذلك لا يمكن اختزال الصحة النفسية في الشعور بالسعادة وحدها.


ويرى الباحثون أن تحقيق الأهداف الكبرى غالبًا ما يمر عبر تجارب عاطفية صعبة ومركبة. فبناء العلاقات، وإنجاز المشروعات، وتجاوز الأزمات، وتعلم المهارات الجديدة، كلها مسارات تتضمن لحظات من التوتر والإحباط والقلق إلى جانب الفرح والإنجاز.


ومن هذا المنطلق، لا يقاس النجاح النفسي بقدرة الإنسان على تجنب المشاعر السلبية، بل بقدرته على استدعاء المشاعر المناسبة لكل موقف. فالشخص الذي يمتلك مرونة عاطفية ويستجيب للظروف بانفعالات ملائمة يتمتع بمستويات أعلى من الرفاهية مقارنة بمن يلاحق السعادة باستمرار ويحاول قمع أي شعور سلبي.


كما تشير النظريات النفسية إلى أن الإنسان يميل بطبيعته إلى الحفاظ على مستوى مستقر ومعتدل من الرضا. ولهذا تعود المشاعر، سواء كانت إيجابية للغاية أو سلبية للغاية، تدريجيًا إلى مستويات أكثر توازنًا. لذلك لا تعني الحياة المزدهرة حالة من النشوة الدائمة، بل تعني استقرارًا نفسيًا يتخلله طيف واسع من الخبرات العاطفية.


فوائد التنوع العاطفي للصحة والنمو الشخصي


تؤكد الأدلة العلمية أن ما يعرف بـ"التنوع العاطفي" يمثل عنصرًا أساسيًا في الحياة المزدهرة. ويقصد به اختبار مجموعة واسعة ومتوازنة من المشاعر بدل الاقتصار على نوع واحد منها.


ويرتبط هذا التنوع بخصائص إيجابية عديدة، منها تعزيز الحكمة، وتنمية التواضع الفكري، وزيادة القدرة على تفهم وجهات النظر المختلفة. كما يرتبط بتحسن الصحة النفسية والجسدية، وانخفاض مؤشرات الالتهاب في الجسم، والحد من التدهور الصحي المرتبط بالتقدم في العمر.


وتدعو هذه النتائج إلى إعادة النظر في مفهوم السعادة الشائع. فبدلًا من السعي المستمر إلى التخلص من المشاعر السلبية، يمكن النظر إليها بوصفها جزءًا طبيعيًا وضروريًا من التجربة الإنسانية. وتصبح الحياة أكثر ثراءً عندما يتقبل الإنسان تعقيد مشاعره ويمنح نفسه مساحة لاختبار مختلف الانفعالات دون مقاومة أو إنكار.


وفي النهاية، تكشف الدراسة أن الازدهار النفسي لا يعني بناء حصن محصن ضد تقلبات الحياة، بل يعني فهم الطبيعة المعقدة للحياة وقبولها. فالحياة الجيدة لا تصنعها السعادة وحدها، وإنما يصنعها التناغم بين الفرح والحزن، والنجاح والإخفاق، والأمل والقلق، ضمن تجربة إنسانية متوازنة تمنح الفرد معنى أعمق ورضا أكثر استدامة.

 

https://www.psychologytoday.com/us/blog/between-cultures/202606/beyond-chasing-happiness-our-rich-emotional-lives